ابن كثير
68
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة النور ( 24 ) : الآيات 47 إلى 52 ] وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ( 47 ) وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ( 48 ) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ( 49 ) أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 50 ) إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 51 ) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ ( 52 ) يخبر تعالى عن صفات المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون ، يقولون قولا بألسنتهم آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي يخالفون أقوالهم بأعمالهم فيقولون ما لا يفعلون ، ولهذا قال تعالى : وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ . وقوله تعالى : وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ الآية ، أي إذا طلبوا إلى اتباع الهدى فيما أنزل اللّه على رسوله أعرضوا عنه واستكبروا في أنفسهم عن اتباعه ، وهذه كقوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ - إلى قوله - رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً [ النساء : 60 - 61 ] . وفي الطبراني من حديث روح بن عطاء عن أبي ميمونة عن أبيه عن الحسن عن سمرة مرفوعا « من دعي إلى سلطان فلم يجب ، فهو ظالم لا حق له » . وقوله تعالى : وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أي وإذا كانت الحكومة لهم لا عليهم جاءوا سامعين مطيعين ، وهو معنى قوله مُذْعِنِينَ وإذا كانت الحكومة عليه أعرض ودعا إلى غير الحق ، وأحب أن يتحاكم إلى غير النبي صلى اللّه عليه وسلم ليروج باطله ثم فإذعانه أولا لم يكن عن اعتقاد منه أن ذلك هو الحق ، بل لأنه موافق لهواه ، ولهذا لما خالف الحق قصده عدل عنه إلى غيره ، ولهذا قال تعالى : أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ الآية ، يعني لا يخرج أمرهم عن أن يكون في القلوب مرض لازم لها أو قد عرض لها شك في الدين ، أو يخافون أن يجور اللّه ورسوله عليهم في الحكم ، وأيا ما كان فهو كفر محض ، واللّه عليم بكل منهم وما هو منطو عليه من هذه الصفات . وقوله تعالى : بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي بل هم الظالمون الفاجرون ، واللّه ورسوله مبرآن مما يظنون ويتوهمون من الحيف والجور تعالى اللّه ورسوله عن ذلك . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا مبارك ، حدثنا الحسن قال : كان الرجل إذا كان بينه وبين الرجل منازعة فدعي إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو محق ، أذعن وعلم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم سيقضي له بالحق ، وإذا أراد أن يظلم فدعي إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم أعرض وقال : انطلق إلى فلان ، فأنزل اللّه هذه الآية فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم « من كان بينه وبين أخيه شيء فدعي إلى حكم من حكام المسلمين فأبى أن يجيب ، فهو ظالم لا حق له » وهذا حديث غريب ، وهو مرسل . ثم أخبر تعالى عن صفة المؤمنين المستجيبين للّه ولرسوله الذين لا يبغون دينا سوى كتاب اللّه وسنة رسوله ، فقال إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا أي سمعا وطاعة . ولهذا وصفهم تعالى بالفلاح ، وهو نيل المطلوب والسلامة من المرهوب ، فقال تعالى : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وقال قتادة في هذه الآية أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا ذكر لنا أن عبادة بن الصامت ، وكان عقبيا بدريا أحد نقباء الأنصار ، أنه